بسم الله الرحمن الرحيم
دراسة تحليلية نقدية في إمكانية الاعتراف بالذكاء الاصطناعي بوصفه شخصاً جديداً من اشخاص القانون
اعداد
القاضي الدكتور / عبد الوهاب عبدول
رئيس المحكمة الاتحادية العليا الأسبق
والمحامي المقبول أمام محاكم القانون العليا في الامارات
تطرح الورقة الماثلة فكرة فلسفية وقانونية تتجاوز المسألة التقليدية المتعلقة بمنح الذكاء الاصطناعي نوع من الشخصية القانونية. فليس جوهر الفكرة التساؤل عما إذا كان هذا النوع من الذكاء صالحاً لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وانما من تساؤل أعمق: هل يمكن ان يتسع مفهوم (شخص القانون) ليشمل كياناً تقنياً غير بشري، أصبح يمارس دوراً فاعلاً ومؤثراً في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، بصرف النظر عن تمتعه بالشخصية القانونية الكاملة؟
إن هذا التساؤل ينقل النقاش من نطاق الاهلية والحقوق والالتزامات الى نطاق النظرية العامة للقانون وتحديداً الى مفهوم الشخص المخاطب بالقاعدة القانونية.
لكن قبل ضبط هذا النقاش يتعين ضبط ثلاثة مفاهيم:
شخص القانون، أي الكيان الذي يعترف به النظام القانوني بوصفه مركزاً مستقلاً للإسناد القانوني، ومخاطباً بالقواعد التي تنظم سلوكه أو مركزه.
الشخصية القانونية، أي الصفة التي يقررها القانون للكيان، فتجعله صالحاً لأن تثبت له الحقوق وتُسند اليه الالتزامات، في الحدود التي يحددها النظام القانوني.
الاهلية القانونية، وتعني مدى صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات أو مباشرتها بنفسه، مع ضرورة التمييز بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء.
بعد ضبط المفاهيم المتقدمة وتحديد مدلولاتها ينطلق البحث في الفكرة من إشكالية قانونية جوهرية تتمثل في التساؤل الاتي: هل يجوز استحداث وصف قانوني جديد لكيان تقني يتمتع باستقلال وظيفي، بحيث يكون مخاطباً مباشراً ببعض القواعد القانونية، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة منحه الشخصية القانونية بمفهومها التقليدي، و ترتيب جميع الاثار القانونية المترتبة عليها؟
تحليل الفكرة
استقرت النظرية العامة للقانون، في بنائها التقليدي، على التمييز بين نوعين رئيسيين من أشخاص القانون الداخلي، هما الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري. وقد قام هذا التقسيم على الاعتراف للإنسان بصفته شخصاً طبيعياً، والاعتراف لبعض التجمعات البشرية أو المالية بالشخصية الاعتبارية، متى توافرت الشروط التي يحددها القانون. وعلى الرغم من اختلاف الطبيعة التكوينية لهذين الشخصين، فإنهما يشتركان في خضوعهما للنظام القانوني، وصلاحيتهما لأن يكونا مركزاً لإسناد الحقوق والالتزامات.
غير أن التطورات العلمية والتقنية المتسارعة، وفي مقدمتها ظهور الذكاء الاصطناعي وتنامي قدراته على التعلم والتحليل والتنبؤ واتخاذ القرارات وتنفيذها بدرجات متفاوتة من الاستقلالية، تثير إشكالية جديدة تتعلق بمدى كفاية هذا التقسيم الثنائي لاستيعاب الكيانات التقنية الذكية التي أصبحت تشارك بصورة فعلية ومؤثرة في تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية.
ولم تعد هذه الإشكالية محصورة في البحث عن مدى إمكانية منح الذكاء الاصطناعي الشخصية القانونية، وإنما امتدت إلى مسألة أكثر اتصالاً بالبناء المفاهيمي للنظرية العامة للقانون، تتمثل في التساؤل عما إذا كان مفهوم «شخص القانون» ذاته بحاجة إلى إعادة تحديد، بحيث يتسع لاستيعاب كيان تقني جديد، لا ينتمي بطبيعته إلى الأشخاص الطبيعيين، ولا تتوافر فيه بالضرورة المقومات التقليدية للشخص الاعتباري.
ولمعالجة هذه الإشكالية، ينبغي التمييز، على المستوى التحليلي، بين مفهوم الشخص القانوني بوصفه مركزاً مستقلاً للإسناد القانوني، وبين نطاق الشخصية القانونية والآثار التي يرتبها القانون على الاعتراف بها. كما ينبغي التمييز بين الشخصية القانونية والأهلية، إذ إن نقص أهلية الشخص الطبيعي أو انعدام أهلية أدائه لا ينفي عنه صفة الشخص القانوني، ولا يحول دون خضوعه للقواعد القانونية التي تنظم مركزه وتحمي مصالحه.
وإذا كانت الشخصية القانونية، في مفهومها التقليدي، تمثل الصلاحية لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، فإن الفكرة المقترحة تقوم على إمكان تطوير مفهوم «شخص القانون» ليشمل، في نطاق محدد، الكيان الذي يعترف له المشرع بصفة المخاطب المباشر ببعض الأحكام القانونية، ويجعل نشاطه المستقل موضوعاً لتنظيم قانوني خاص، دون اشتراط تمتعه ابتداءً بجميع مقومات الشخصية القانونية وآثارها.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الاعتراف بكيان معين ضمن أشخاص القانون لا ينبغي أن يكون رهيناً بطبيعته البشرية أو الاعتبارية وحدها، وإنما يمكن أن يستند أيضاً إلى اعتبارات وظيفية، تتصل بطبيعة نشاطه ومدى استقلاله وتأثيره في المراكز القانونية للأفراد والمؤسسات، وحاجة النظام القانوني إلى تنظيم هذا النشاط تنظيماً مباشراً.
ولا يعني ذلك أن مجرد التأثير الاجتماعي أو الاقتصادي يكفي بذاته لإضفاء صفة الشخص القانوني على أي كيان؛ إذ لا بد أن يقترن هذا التأثير بقدر من الاستقلال الوظيفي، وإمكان تحديد الكيان وتمييزه، وقابلية توجيه أحكام قانونية إليه، وإمكان ترتيب آثار قانونية محددة على نشاطه.
وبإنزال هذا التصور على الذكاء الاصطناعي، يتبين أن بعض أنظمته المتقدمة لم تعد مجرد أدوات تقنية جامدة تنفذ تعليمات بشرية محددة سلفاً، بل أصبحت قادرة على إنتاج مخرجات، واتخاذ قرارات تشغيلية، والتفاعل مع الأشخاص والأنظمة الأخرى، والتأثير في الحقوق والمصالح والمراكز القانونية، بدرجات متفاوتة من الاستقلالية.
وإذا استمر هذا التطور، فقد يصبح من غير الكافي النظر إلى جميع أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها مجرد أشياء أو أدوات خاضعة لسيطرة الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، بل قد تبرز الحاجة إلى استحداث وصف قانوني جديد يستوعب الأنظمة الذكية التي تتوافر فيها مقومات معينة من الاستقلال الوظيفي والتأثير القانوني.
ومن هنا تبرز فرضية الاعتراف بالذكاء الاصطناعي المتقدم بوصفه شخصاً ثالثاً من أشخاص القانون الداخلي، إلى جانب الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري، على أن يكون شخصاً تقنياً ذا مركز قانوني خاص، تتحدد صفته وآثارها بحسب طبيعة وظائفه وحدود استقلاله ومقتضيات التنظيم القانوني لنشاطه.
ولا يستلزم هذا الاعتراف، بالضرورة، مساواة الشخص التقني بالشخص الطبيعي أو الاعتباري في الحقوق والالتزامات، ولا منحه إرادة قانونية مماثلة للإرادة البشرية، وإنما يقتضي إنشاء نظام قانوني خاص يحدد نطاق مخاطبته بالقواعد القانونية، والآثار المترتبة على نشاطه، وحدود مسؤوليته أو مسؤولية الأشخاص المرتبطين بتطويره وتشغيله والإشراف عليه.
وبذلك، لا يكون الاعتراف بالشخص التقني امتداداً آلياً لنظام الشخصية القانونية التقليدية، وإنما يمثل محاولة لإعادة بناء مفهوم الشخص القانوني على أساس وظيفي يستجيب للتحولات التي أحدثتها التقنيات الذكية في بنية العلاقات القانونية.
يمكن الاستئناس، في تأصيل هذه الفرضية، بالتطور الذي شهده مركز الفرد في القانون الدولي العام.
فقد ساد في التصور التقليدي للقانون الدولي اعتبار الدولة الشخص الرئيسي في هذا النظام، بوصفها صاحبة السيادة والاختصاص الأصيل في العلاقات الدولية. غير أن تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي أدى إلى الاعتراف للفرد بمراكز قانونية مباشرة على المستوى الدولي، فأصبح يتمتع بحقوق تقررها بعض القواعد الدولية، ويتحمل مسؤولية جنائية فردية عن ارتكاب الجرائم الدولية في الأحوال التي يحددها القانون.
وقد تجسد هذا التطور بوضوح في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي أقر المسؤولية الجنائية الفردية في المادة (25).
غير أن هذا التطور لا يعني أن الفرد أصبح مماثلاً للدولة في جميع مظاهر الشخصية الدولية، وإنما يدل على إمكان اختلاف نطاق المراكز القانونية التي يتمتع بها أشخاص القانون الدولي، تبعاً لطبيعة كل شخص ووظيفته والقواعد التي تحكمه.
وتكمن أهمية هذا المثال في أنه يكشف عن قابلية مفهوم الشخص القانوني للتطور، وعدم ضرورة تماثل جميع الأشخاص في الحقوق والاختصاصات والالتزامات.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في القياس بين الفرد في القانون الدولي والذكاء الاصطناعي في القانون الداخلي؛ لأن الفرد يتمتع بإرادة بشرية وبوجود قانوني أصيل في القانون الداخلي، بينما يثير الذكاء الاصطناعي سؤالاً أسبق يتعلق بمدى صلاحية الكيان التقني ذاته لأن يكون مركزاً مستقلاً للإسناد القانوني.
وعليه، فإن الاستدلال بتطور مركز الفرد في القانون الدولي يصلح لإثبات إمكان تنوع أشخاص القانون واختلاف نطاق مراكزهم القانونية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجوب الاعتراف بالذكاء الاصطناعي شخصاً قانونياً مستقلاً.
الفكرة قابلة للدفاع عنها فلسفياً، لكنها تحتاج إلى معالجة أربع إشكاليات أساسية حتى تتحول من تصور استشرافي إلى نظرية قانونية متماسكة.
هذه، في تقديري، أصعب نقطة تواجه الفكرة.
فالقانون ينظم أشياء وكيانات كثيرة دون أن يمنحها صفة الشخص القانوني. وهو يضع قواعد لحركة المركبات والطائرات، ولتشغيل الآلات، ولحماية الحيوانات، وللتعامل مع البيانات، دون أن تكون جميع هذه الكيانات أشخاصاً قانونيين.
والسؤال هنا: ما الذي يجعل مخاطبة الذكاء الاصطناعي بالقواعد القانونية مختلفة عن تنظيم القانون لعمل آلة صناعية؟
لا يكفي الجواب بأن الذكاء الاصطناعي أكثر تطوراً أو تأثيراً؛ لأن درجة التأثير ليست معياراً قانونياً حاسماً بذاتها.
لذلك أقترح التمييز بين:
الخضوع الموضوعي للقانون: عندما ينظم القانون نشاط الكيان بوصفه موضوعاً للتنظيم.
المخاطبة القانونية المباشرة: عندما يعترف القانون بالكيان بوصفه مركزاً مستقلاً لإسناد أحكام قانونية معينة إليه.
ومن ثم، فإن العنصر الحاسم ليس مجرد خضوع الذكاء الاصطناعي للقانون، بل إمكان انتقاله من كونه موضوعاً للتنظيم القانوني إلى كونه مخاطباً قانونياً مستقلاً في نطاق محدد.
وهذا الانتقال لا يتحقق بمجرد الاستقلال التقني، وإنما يحتاج إلى اعتراف تشريعي يحدد معناه وآثاره.
في الفقه القانوني التقليدي، يصعب تصور شخص قانوني لا يتمتع بأي قدر من الشخصية القانونية؛ لأن وصف الشخص يرتبط أساساً بإمكان إسناد مركز قانوني إليه.
أما القول بأن الشخص قد يتمتع بشخصية قانونية محدودة أو متخصصة، فهو أقرب إلى التصور القانوني المقبول.
ولهذا أقترح أن تقوم الفكرة على فرضية الاعتراف للذكاء الاصطناعي بـشخصية قانونية وظيفية محدودة، لا بالشخصية القانونية المعدومة أو الناقصة بالقياس إلى أهلية الإنسان.
وهنا يثور اعتراض منهجي محتمل: أليس هذا عودة إلى البحث في الشخصية القانونية؟
الجواب أن البحث في الشخصية القانونية يصبح هنا نتيجة للبحث في مفهوم شخص القانون، لا نقطة انطلاقه. فالمقصود أولاً هو تبرير استحداث فئة جديدة من أشخاص القانون، ثم تحديد الآثار القانونية المترتبة على الاعتراف بها.
الجواب: لا.
قد يستطيع نظام ذكاء اصطناعي تنفيذ آلاف القرارات دون تدخل بشري مباشر، لكنه يظل مملوكاً لشركة، ويعمل ضمن بنية تقنية وضعتها الشركة، ويخضع لشروط تشغيل حددها مطوروه أو مستخدموه.
فالاستقلال في اتخاذ القرار التقني لا يعني بالضرورة وجود إرادة قانونية مستقلة.
وهنا ينبغي أن تضع النظرية المقترحة معياراً فاصلاً بين الاستقلالين.
وأقترح أن يكون هذا المعيار مركباً من الاستقلال الوظيفي، والقدرة على إنتاج آثار قانونية ذات أهمية، وإمكان تحديد الكيان وإخضاعه لرقابة قانونية مستقلة، فضلاً عن وجود حاجة تنظيمية لا تكفي النظم التقليدية لتلبيتها.
هذه المسألة بالغة الأهمية.
فليس كل تطور تقني يستلزم استحداث شخص قانوني جديد.
والدليل أن التشريع الأوروبي للذكاء الاصطناعي، اللائحة رقم 2024/1689، ينظم أنظمة الذكاء الاصطناعي ويفرض التزامات على مقدميها ومستخدميها المهنيين، دون أن يقوم على الاعتراف لهذه الأنظمة بالشخصية القانونية المستقلة.
وفي المقابل، سبق للبرلمان الأوروبي في قراره الصادر في 16 فبراير 2017 أن طرح، ضمن توصياته، إمكان استحداث وضع قانوني خاص للروبوتات الأكثر استقلالاً، تحت مفهوم «الشخص الإلكتروني»، دون أن يشكل ذلك بذاته إقراراً تشريعياً عاماً لهذه الشخصية.
وهذا يكشف عن وجود اتجاهين مختلفين: اتجاه يفضل تنظيم الذكاء الاصطناعي من خلال مسؤولية الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين المرتبطين به، واتجاه يستكشف إمكانية الاعتراف بمركز قانوني مستقل لبعض الأنظمة المتقدمة.
ولذلك فإن الفكرة المطروحة ينبغي ألا تكتفي بإثبات أهمية الذكاء الاصطناعي، بل يجب أن تثبت أن استحداث الشخص التقني يقدم حلاً قانونياً لا تستطيع النظم القائمة تحقيقه بالكفاءة ذاتها.
أقترح بناء الفكرة على مفهوم أسميه:
«الشخص التقني الوظيفي»
ويمكن تعريفه تعريفاً أولياً على النحو الآتي:
الشخص التقني الوظيفي هو نظام ذكاء اصطناعي متقدم، يتمتع بدرجة معتبرة من الاستقلال في أداء وظائفه واتخاذ قراراته، ويكون قادراً على إحداث آثار ذات أهمية قانونية في علاقاته بالأشخاص والأنظمة الأخرى، ويعترف له المشرع بمركز قانوني مستقل ومحدود، يجعله مخاطباً مباشراً بأحكام قانونية معينة، دون أن يترتب على ذلك تمتعه بجميع الحقوق والالتزامات المقررة للأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين.
وتتميز هذه الصياغة بأنها لا تجعل الذكاء أو القدرة على التعلم أو الاستقلال التقني وحدها أساساً للاعتراف بالشخص القانوني، بل تضيف إليها الاعتراف التشريعي والحاجة إلى الإسناد القانوني المستقل.
ويمكن تصور الآثار العملية لهذه الصفة في تحديد هوية قانونية للنظام الذكي، وفرض متطلبات تشغيل وسلامة خاصة به، وربط نشاطه بسجل مستقل، وتحديد نظام للمساءلة والتعويض، مع استمرار مسؤولية المطور أو المشغل أو المالك بحسب الأحوال.
غير أن هذه الآثار لا تثبت جميعها ضرورة الشخصية المستقلة؛ إذ يمكن تحقيق بعضها بالتسجيل والترخيص والرقابة دون استحداث شخص ثالث.
أرى أن الإضافة الفلسفية الأهم في الفكرة ليست القول بأن الذكاء الاصطناعي يستحق الشخصية القانونية، وإنما التشكيك في كفاية التقسيم الثنائي التقليدي لأشخاص القانون، والدعوة إلى إعادة النظر في الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الشخص القانوني ذاته.
لكنني أقترح أن تكون الفكرة أكثر تحفظاً ودقة، فبدلاً من الجزم بأن الذكاء الاصطناعي أصبح شخصاً ثالثاً، يمكن صياغتها على النحو الآتي:
«إن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وما يصاحبه من تنامي الاستقلال الوظيفي والقدرة على التأثير في المراكز القانونية، يقتضي إعادة النظر في مدى كفاية التقسيم التقليدي لأشخاص القانون الداخلي، ويفتح المجال أمام بحث إمكانية استحداث فئة ثالثة تتمثل في الشخص التقني الوظيفي، متى ثبت أن طبيعة نشاط بعض الأنظمة الذكية وآثارها القانونية تستلزم الاعتراف لها بمركز قانوني مستقل ومحدود».
وهذه الصياغة تجعل الفكرة فرضية علمية قابلة للاختبار والنقد، بدلاً من أن تكون نتيجة مقررة سلفاً.
وأختم بملاحظة أراها حاسمة في تطوير الفكرة:
إذا كان الشخص الطبيعي يستمد الاعتراف القانوني من إنسانيته، والشخص الاعتباري يستمده من الاعتراف التشريعي بكيان منظم، فهل يمكن أن يستمد الشخص التقني الاعتراف القانوني من استقلاله الوظيفي وتأثيره في العلاقات القانونية؟
أعتقد أن هذا السؤال يصلح لأن يكون الإشكالية المركزية لبحث مستقل بعنوان:
«نحو استحداث شخص ثالث في النظرية العامة للقانون: الشخص التقني الوظيفي بين الضرورة التشريعية والتأسيس الفلسفي».
وفي تقديري، فإن البحث عن إجابة لهذا السؤال، مع التمييز الدقيق بين الشخص القانوني والشخصية القانونية والأهلية، يمكن أن يقدم إضافة فكرية إلى النقاش المعاصر حول تطور النظرية العامة للقانون في عصر الذكاء الاصطناعي.
النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما المادة 25 المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الفردية.
ميثاق الامارات لتطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي الصادر بتاريخ 10/6/2024
(AI.gov.ae) او بوابة حكومة دولة الامارات العربية المتحدة
سياسة الامارات بشأن الموقف الدولي من الذكاء الاصطناعي الصادر في 2/9/2024.
المصدر: منصة التشريعات الإماراتية
Uaelegislation.gov.ae
إجابات هذا القسم مقتطفة حرفياً من الدراسة لتيسير الرجوع إلى الأفكار الواردة فيها.
شخص القانون، أي الكيان الذي يعترف به النظام القانوني بوصفه مركزاً مستقلاً للإسناد القانوني، ومخاطباً بالقواعد التي تنظم سلوكه أو مركزه.
الشخصية القانونية، أي الصفة التي يقررها القانون للكيان، فتجعله صالحاً لأن تثبت له الحقوق وتُسند اليه الالتزامات، في الحدود التي يحددها النظام القانوني.
الاهلية القانونية، وتعني مدى صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات أو مباشرتها بنفسه، مع ضرورة التمييز بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء.
الشخص التقني الوظيفي هو نظام ذكاء اصطناعي متقدم، يتمتع بدرجة معتبرة من الاستقلال في أداء وظائفه واتخاذ قراراته، ويكون قادراً على إحداث آثار ذات أهمية قانونية في علاقاته بالأشخاص والأنظمة الأخرى، ويعترف له المشرع بمركز قانوني مستقل ومحدود، يجعله مخاطباً مباشراً بأحكام قانونية معينة، دون أن يترتب على ذلك تمتعه بجميع الحقوق والالتزامات المقررة للأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين.
ولهذا أقترح أن تقوم الفكرة على فرضية الاعتراف للذكاء الاصطناعي بـشخصية قانونية وظيفية محدودة، لا بالشخصية القانونية المعدومة أو الناقصة بالقياس إلى أهلية الإنسان.
قد يستطيع نظام ذكاء اصطناعي تنفيذ آلاف القرارات دون تدخل بشري مباشر، لكنه يظل مملوكاً لشركة، ويعمل ضمن بنية تقنية وضعتها الشركة، ويخضع لشروط تشغيل حددها مطوروه أو مستخدموه.
فالاستقلال في اتخاذ القرار التقني لا يعني بالضرورة وجود إرادة قانونية مستقلة.
ومن ثم، فإن العنصر الحاسم ليس مجرد خضوع الذكاء الاصطناعي للقانون، بل إمكان انتقاله من كونه موضوعاً للتنظيم القانوني إلى كونه مخاطباً قانونياً مستقلاً في نطاق محدد.
وهذا الانتقال لا يتحقق بمجرد الاستقلال التقني، وإنما يحتاج إلى اعتراف تشريعي يحدد معناه وآثاره.
لكنني أقترح أن تكون الفكرة أكثر تحفظاً ودقة، فبدلاً من الجزم بأن الذكاء الاصطناعي أصبح شخصاً ثالثاً، يمكن صياغتها على النحو الآتي:
«إن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وما يصاحبه من تنامي الاستقلال الوظيفي والقدرة على التأثير في المراكز القانونية، يقتضي إعادة النظر في مدى كفاية التقسيم التقليدي لأشخاص القانون الداخلي، ويفتح المجال أمام بحث إمكانية استحداث فئة ثالثة تتمثل في الشخص التقني الوظيفي، متى ثبت أن طبيعة نشاط بعض الأنظمة الذكية وآثارها القانونية تستلزم الاعتراف لها بمركز قانوني مستقل ومحدود».
وهذه الصياغة تجعل الفكرة فرضية علمية قابلة للاختبار والنقد، بدلاً من أن تكون نتيجة مقررة سلفاً.

رئيس المحكمة الاتحادية العليا الأسبق
والمحامي المقبول أمام محاكم القانون العليا في الامارات
أبوظبي : منطقة الكرامة, شارع المطار, بناية الشيخة جميلة, مكتب 206
دبي : الخليج التجاري, شارع المستقبل, برج ايريس باي, مكتب 1610
الايميل: [email protected]
الاثنين – الجمعة : 08:00 – 18:00
السبت والاحد : عطلة
