مقدمة
لطالما ارتبط مفهوم القانون في أذهان الكثيرين بتحقيق العدالة وحماية الحقوق وتنظيم العلاقات داخل المجتمع. إلا أن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه هو: من يصنع القانون؟ وهل يعكس القانون دائماً إرادة المجتمع، أم أنه يتأثر بموازين القوة والسلطة؟
في هذا المقال، يقدم المحامي الدكتور عبد الوهاب عبدول رؤية قانونية وفلسفية تتناول طبيعة القانون، والفرق بين القانون في صورته الخالصة والقانون الذي يُنتج عبر المؤسسات التشريعية، وعلاقة السلطة بصناعة التشريع، ومدى تأثير القوى السياسية والاقتصادية في تشكيل القواعد القانونية ووظائفها.
يعرض هذا المقال وجهة نظر قانونية وفكرية تدعو إلى التأمل في فلسفة القانون، بعيداً عن المفهوم التقليدي الذي يختزل القانون في كونه مجرد نصوص تشريعية أو قواعد قانونية ملزمة.
ما هو القانون في مفهومه الحقيقي؟
لو سألت أي دارس للقانون أو باحث فيه أو مشتغل به، عن “القانون” لأجابك من فوره أنه مجموعة قواعد عامة مجردة تضبط السلوك الاجتماعي للفرد في مجتمعه، مقرونه بجزاء دنيوي يوقع على من ينتهك محظوراته.
هذه الإجابة، توصَّف القاعدة القانونية لكنها لا تعرِّف القانون ذاته، أي القانون كظاهرة اجتماعية ملازمة للاجتماع الإنساني.
القانون –كظاهرة اجتماعية- هو التقاء إرادات جمع من البشر وتوافقهم على الدفاع عن وجودهم الإنساني وصيانة مصالحهم المادية وحرياتهم الطبيعية، حتى ولو اقتضى الأمر استخدام العنف الجماعي المنظم “الجزاء القانوني” لرد العدوان الواقع على هذا الجمع. هذا هو القانون في مفهومه الخالص.
في القانون الخالص، تتكون القاعدة القانونية عبر فترة زمنية غير محددة وعن طريق ممارسات أفراد الجماعة لسلوكيات جماعية تعكس واقعهم وحاجاتهم ومصالحهم. ومن تكرار الممارسات الجماعية تتكون عقيدة الإلزام لدى الجماعة وتقبل الجزاء المقرر لمخالفة السلوك المضاد أو المفارق لتلك الممارسات.
في القانون الخالص يساهم كل فرد في الجماعة في وضع وسن وصياغة قواعد هذا القانون، ويضع كل فرد مصالحه في صلب قواعده. وفي هذا القانون يتساوى الجميع أمام خطابه وتكاليفه ومحظوراته ومزاياه. فهو سيد الجميع وخادم الجميع، لأن إرادة الجميع هي سبب وجوده.
إذَّن القانون من صنع عمل الجماعة، تتفق أو تتوافق أو تتعارف على ضبط سلوكها في اتجاه واحد أو على نحو موحد تجاه وقائع وأحداث معينة، دون ضغط عليها أو توجيه أو إيعاز من جماعة أخرى. هذا هو “القانون الخالص” أو القانون في أصله النقي. و لا تزال القواعد العرفية تمثل هذا النوع من القانون حتى وقتنا الحاضر رغم انحسار دوره أمام القانون الرسمي (الدولتي). والقانون في فضائه الخالص هو “القوة المتحدة للجماعة” لرد أي اعتداء على مصالح الجماعة ولحماية توزيع المصالح توزيعاً عادلاً.
القانون الخالص والقانون المسنون
في مقابل “القانون الخالص”، يقوم “القانون المسنون”. وربما تكون عبارة “القانون المصنوع” أكثر دقة في الدلالة على حقيقة هذا النوع من القانون. و “القانون المسنون” لغة هو القانون المهيأ مسبقاً. أما في الاصطلاح القانوني، فيعني “التشريع”. والتشريع على نوعين: تشريع أصلي تختص بسنِّه وإنتاجه الهيئة التشريعية المختصة بالتشريع “السلطة التشريعية”. وتشريع فرعي تضعه الإدارة “السلطة التنفيذية” بتفويض من السلطة التشريعية وفق ضوابط معينة ومحددة. والمقصود بالقانون في سياق هذا الكلام “التشريع الأصلي”.
كيف تتكون القاعدة القانونية؟
والقانون المسنون “المصنوع”، هو الآخر التقاء لإرادات جمع محدود من الأفراد اتفقت أو توافقت على إنتاج قانون معين يؤدي وظيفة معينة، ورغم أن قواعده تتصف بكافة خصائص القاعدة القانونية، من حيث عموميتها وتجريدها وتمتعها بالجزاء الدنيوي، إلا أنه عند تحليل وتفكيك عناصر هذا القانون “التشريع المسنون/المصنوع” تظهر إشكاليات تناقض وتضاد هذه العناصر.
فالحيَّز الزمني الذي يستغرقه إنتاج هذا النوع من القانون، لا يتعدى في الغالب بضعة أشهر وأحيانا بضعة أسابيع، بل أن قوانين أُنتجت خلال ساعة من نهار. هذا القانون الذي أُنتج في ساعات، يُراد تطبيقه لسنوات ليضبط سلوكاً كان مباحاً فأضحى محظوراً بين ليلة وضحاها. هل يضبطه بعدل القانون أم بقوة القانون؟
هل يمثل التشريع إرادة المجتمع؟
إن هذا القانون يعجز عن أن يكون وسيلة لتحقيق العدل، ذلك أن الجهة التي تسنه أياً كان الاسم الذي تحمله (البرلمان، مجلس الشعب، مجلس الأمة… الخ) تعاني هي الأخرى من إشكاليات عدة. ففي الدول التي تقول عن نفسها أنها “ديموقراطية” فإن الصراع بين الأحزاب السياسية للوصول إلى هذه الجهة التشريعية يكون على أشده. وتستعمل هذه الأحزاب كافة أنواع النفاق والرشا السياسي للوصول إلى غرضها. والحزب الأقوى هو الذي يسيطر على أغلبية الجهة التشريعية ويكون هو المسيطر والمتحكم في صناعة القانون وإنتاجه.
إن المتمعن في الانتخابات البرلمانية لأعتى الديموقراطيات الغربية يلاحظ بلا عناء، أن من يحتل غالبية مقاعد البرلمانات ويحتكر سلطة التشريع هي الأحزاب والتكتلات السياسية القوية. وأن الأقلية لا تعدو أن تكون من لوازم الديموقراطية الغربية يُستعان بها عند تشكيل الحكومات الإئتلافية ولتكون “تكملة عدد”، مهما كانت شعاراتها وأيدولوجياتها وبرامجها.
وحينما يقع التدقيق فيمن أوصل هذه الأحزاب إلى سلطة التشريع، يظهر الشعب على أنه الفاعل الوحيد الذي يملك منح الأحزاب سلطة التشريع باسمه. لكن ليس كل الشعب فهناك أغلبية صامتة لم تساهم في التصويت وأغلبية لا تتوفر فيها شروط الانتخاب والتصويت. هل يمكن هنا القول أن القانون(المسنون/المصنوع) يمثل “ضمير الأمة” أو “إرادة الشعب”. وحتى أولئك الذين ساهموا وشاركوا في الانتخاب والتصويت، هل كانت إرادتهم حرة وسليمة وهم يمارسون حقهم الانتخابي، أم أن بعضهم وقع ضحية الدعايات الانتخابية التي يُسيِّرها القادرون على تحمل تكاليفها المالية الباهظة؟
تأثير القوة السياسية والاقتصادية على التشريع
إذَّن، الأقوياء هم الذين ينتجون القانون ويتحكمون في توجيهه وفي تحديد أهدافه ووظائفه. هؤلاء الأقوياء كيف أصبحوا أقوياء، واحتلوا سلطة التشريع؟ هل بفضل قاعدتهم الشعبية العريضة؟ أم بفضل جانبية برامجهم الانتخابية؟ أم بقوة شخصياتهم الكارزمية؟ قد يكون لهم نصيب من هذا وذاك لكن الفضائح التي تطل برأسها عقب الانتخابات البرلمانية في الديموقراطيات الغربية، تبين أن الوصول إلى البرلمان يأتي بفضل الدعم المالي واللوجستي للشركات العابرة والتكتلات المالية والاقتصادية الكبرى، وحتى الأموال المشبوهة (غسل الأموال، تجارة الدعارة، المخدرات…الخ). لقد أصبح تأثير هذه الشركات والتكتلات واضحاً على القانون وخاصةً القوانين المالية والاقتصادية لدرجة أن القانون المسنون أضحى حامياً لمصالح الأقوياء.
هل يحمي القانون العدالة أم يحمي الأقوياء؟
إن كان هذا حال القانون المسنون “التشريع” في الأنظمة “الديموقراطية”، فإن حاله في الأنظمة غير الديموقراطية (الفردية، الشمولية، الدينية…الخ)، يجعل الولدان شيباً. فتعيين أصحاب الولاء، وشراء أصوات البسطاء من الناخبين وتزوير إراداتهم تحت سمع وبصر السلطة، كلها طرق متعارف عليها للوصول إلى المجالس التشريعية في إطار انتخابات هزلية شكلية. والمحصِّلة أن الأقوياء هم الذين يصنعون القانون وينتجونه بما يتوافق ومصالحهم.
إذا كان القانون “التشريع” في النظامين الديموقراطي وغير الديموقراطي، يضعه وينتجه الأقوياء، فماذا يحمي هذا القانون؟ … مصالح الأقوياء، ما الوظيفة التي يؤديه؟ … حماية الأقوياء… ما العدل الذي يحققه؟ عدل الأقوياء.
“القانون في فضائه الخالص هو القوة المتحدة للجماعة لحماية مصالحها وتحقيق العدالة.”
أهم الأفكار التي يناقشها المقال
الخاتمة
يبقى القانون أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات، إلا أن فهمه لا يقتصر على قراءة النصوص القانونية، بل يمتد إلى دراسة كيفية نشأته، والجهات التي تصنعه، والغايات التي يسعى إلى تحقيقها. ومن هنا تأتي أهمية النقاش المستمر حول فلسفة القانون ودوره في تحقيق العدالة وحماية المجتمع.
أبوظبي : منطقة الكرامة, شارع المطار, بناية الشيخة جميلة, مكتب 206
دبي : الخليج التجاري, شارع المستقبل, برج ايريس باي, مكتب 1610
الايميل: [email protected]
الاثنين – الجمعة : 08:00 – 18:00
السبت والاحد : عطلة
